ابن القلانسي
256
تاريخ دمشق
خلقا كثيرا ، وقتل الأمير صدقة بن مزيد في الجملة ، ووجوه رجاله ، ولم يفلت منهم إلا اليسير ممن حماه الأجل ، واستطار قلبه الخوف والوجل . وكان السلطان قد اعتمد في تدبير الجيش وترتيب الحرب على الأمير مودود المستشهد بيد الباطنية في جامع دمشق « 1 » ووصل السلطان غد يوم الوقعة ونزل الحلة . ولم يكن للعرب صدقة مثله في البيت والتقدم ، وإحسان السيرة فيهم ، والانصاف لهم ، والإنعام عليهم ، وكرم النفس ، وجزيل العطاء ، وحسن الوفاء ، والصفح عن الجرائر ، والتجاوز عن الجرائم والكبائر ، والتعفف عن أموال الرعية ، وإحسان النية للعسكرية ، غير أنه كان مع هذه الخلال الجميلة والمآثر الحميدة ، مطرحا لفرائض الشريعة ، متغافلا عن ارتكاب المحارم الشنيعة ، مستحسنا لسب الصحابة رضي اللّه عنهم ، فكان ما نزل به عليه عاقبة هذه الأفعال الذميمة ، « وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ » « 2 » . وتوجه السلطان بعد تقرير أمر الحلة عائدا إلى أصفهان ( 87 و ) في أوائل شوال من السنة ، وقد قرر مع الأمير مودود والعسكر قصد الموصل ، ومنازلتها والتضييق عليها ، والتملك لها ، فرحل مودود والعسكر ، ونزل على الموصل ، وكان جاولي صاحبها قد أخرج أكثر أهلها منها ، وأساء أصحابه السيرة فيها ، وارتكبوا كل محرم منها ، ومضى إلى الرحبة واستناب فيها من وثق به من أصحابه ، في حفظها ، وأقام العسكر السلطاني عليها مدة ، وعمد سبعة نفر من أهلها على الموطأة عليها ، وفتحوا بابا من أبوابها ، وسلموها إلى مودود ، ودخلها وقتل مقتلة كبيرة من أصحاب جاولي ، وأمن من كان في القلعة ، وحملهم وما كان معهم إلى السلطان .
--> ( 1 ) سيأتي خبر ذلك . انظر الدعوة الإسماعيلية الجديدة : 119 . ( 2 ) القرآن الكريم - الأنعام : 132 .